مولي محمد صالح المازندراني
345
شرح أصول الكافي
عبد الله ( عليه السلام ) قال : مرّ عيسى بن مريم ( عليه السلام ) على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها فقال : أمّا إنّهم لم يموتوا إلاّ بسخطة ولو ماتوا متفرِّقين لتدافنوا ، فقال الحواريّون يا روح الله وكلمته اُدع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها ، فدعا عيسى ( عليه السلام ) ربّه فنودي من الجوّ أن نادهم ، فقام عيسى ( عليه السلام ) باللّيل على شُرف من الأرض فقال : يا أهل هذه القرية ! فأجابه منهم مجيب : لبيّك يا روح الله وكلمته ، فقال : ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب ، فقال : كيف كان حبّكم للدّنيا ، قال : كحبّ الصبّي لأمّه إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا وإذا أدبرت عنّا بكينا وحزنّا ، قال كيف كانت عبادتكم للطّاغوت ؟ قال : الطّاعة لأهل المعاصي ، قال : كيف كان عاقبة أمركم ؟ قال : بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية ، فقال : وما الهاوية ؟ فقال : سجّين قال : وما سجّين ؟ قال : جبالٌ من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة ، قال : فما قلتم وما قيل لكم ؟ قال : قلنا ردَّنا إلى الدّنيا فنزهد فيها ، قيل لنا : كذبتم ، قال : ويحك كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم ؟ قال : يا روح الله إنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد وإنّي كنت فيهم ولم أكن منهم ، فلمّا نزل العذاب عمّني معهم فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدري اُكبكب فيها أم أنجو منها ، فالتفت عيسى ( عليه السلام ) إلى الحواريّين فقال : يا أولياء الله ! أكل الخبز اليابس بالملح الجريش والنوم على المزابل خيرٌ كثير مع عافية الدّنيا والآخرة . * الشرح : قوله ( أما أنهم لم يموتوا إلاّ بسخطة بسخط بالتحريك وبالضم والسكون : الغضب . ( ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا ) قال الشيخ في الأربعين : الظاهر أن التفاعل هنا بمعنى فعل كتواني ، ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف . ( فنودي من الجو أن نادهم ) الجو بالفتح والتشديد : ما بين السماء والأرض ، والشرف : المكان العالي والموضع المرتفع . ( فقال ويحكم ) ويح اسم فعل بمعنى الترحم كما أن ويل كلمة العذاب وبعض اللغويين يستعمل كلاً منهما مكان الأخرى . ( ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت ) أصله طغيوت من الطغيان وهو تجاوز الحد في تقدير فعلوت بفتح العين ، قدمت الياء على خلاف القياس ، وقيل : طيغوت في تقدير فلعوت ثم قلبت الياء ألفاً فصار طاغوت ، وهو يذكر ويؤنث ، ويطلق على الكاهن والشيطان والصنم وعلى كل رئيس في الضلالة وعلى كل ما يصد من عبادة الله تعالى وعلى كل ما عبد من دون الله ، وعلى